أحمد بن محمد القسطلاني

65

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

رواية أبي ذر وغيره بلفظ : أو ليخالفن الله بين قلوبكم ، أو المراد : تفترقون فيأخذ كل واحد وجهًا غير الذي يأخذه صاحبه ، لأن تقدم الشخص على غيره مظنة للكبر المفسد للقلب الداعي للقطيعة ، وعزى هذا الأخير للقرطبي . واحتج ابن حزم للقول بوجوب التسوية بالوعيد المذكور ، لأنه يقتضيه . لكن قوله في الحديث الآخر : فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة ، يصرفه إلى السُّنَّة ، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك ، فيكون الوعيد للتغليظ والتشديد . 718 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « أَقِيمُوا الصُّفُوفَ فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي » . [ الحديث 718 - طرفاه في : 719 ، 725 ] . وبه قال : ( حدّثنا أبو معمر ) بفتح الميمين ، عبد الله بن عمرو المنقري المقعد ( قال : حدّثنا عبد الوارث ) بن سعيد البصري ( عن عبد العزيز ) ولأبي ذر زيادة : ابن صهيب ( عن أنس ) وللأصيلي زيادة : ابن مالك ، رضي الله عنه ( أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) : ( أقيموا الصفوف ) أي عدّلوها ( فإني أراكم ) بقوة إبصار يدرك بها ، ولا يلزم رؤيتنا ذلك أو يريد : إني أبصركم بعيني المعهودة وأنتم ( خلف ظهري ) كما أبصركم وأنتم بين يدي ، والفاء للسببية . 72 - باب إِقْبَالِ الإِمَامِ عَلَى النَّاسِ عِنْدَ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ ( باب إقبال الإمام على الناس عند تسوية الصفوف ) . 719 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ : " أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَجْهِهِ فَقَالَ : أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي " . وبالسند قال : ( حدّثنا أحمد بن أبي رجاء ) بفتح الراء وتخفيف الجيم والمد ، عبد الله بن أيوب الحنفي الهروي ( قال : حدّثنا معاوية بن عمرو ) بإسكان الميم ، ابن المهلب الأزفي الكوفي الأصل ، وهو من قدماء شيوخ المؤلّف ، لكنه روي له هنا بواسطة ، ولعله لم يسمعه منه ( قال : حدّثنا زائدة بن قدامة ) بضم القاف ( قال : حدّثنا حميد الطويل ) بضم الحاء ( قال : حدّثنا أنس ) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر : أنس بن مالك رضي الله عنه ( قال : أقيمت الصلاة ، فأقبل علينا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بوجهه ، فقال ) : ( أقيمو ) سووا ( صفوفكم ) أيها الحاضرون لأداء الصلاة معي ( وتراصوا ) بضم الصاد المهملة المشدّدة أي تضاموا وتلاصقوا حتى يتصل ما بينكم ( فإني أراكم ) رؤية حقيقية ( من وراء ظهري ) أي من خلفه ، بخلق حاسة باصرة فيه كما يشعر به التعبير بمن ، فمبدأ الرؤية ومنشؤها من خلفه بخلاف الرواية السابقة العارية عن من : فإنها تحتمل ذلك ، وتحتمل أن ذلك بالعين المعهودة كما مرّ . وقيل أنه كان له بين كتفيه عينان كسمّ الخياط يبصر بهما ولا يحجبهما الثياب ، وزاد الأصيلي بعد قوله ؛ من وراء ظهري : الحديث . ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين هروي وبغدادي وكوفي وبصري ، وفيه التحديث والقول . 73 - باب الصَّفِّ الأَوَّلِ ( باب الصف الأول ) وهو الذي يلي الإمام ، قال النووي : وهو الصحيح المختار وعليه المحققون . 720 - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَىٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « الشُّهَدَاءُ : الْغَرِقُ ، وَالْمَطْعُونُ ، وَالْمَبْطُونُ ، وَالْهَدِمُ » . وبالسند قال : ( حدّثنا أبو عاصم ) الضحاك بن مخلد النبيل ( عن مالك ) الإمام ( عن سمي ) بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد المثناة التحتية ، القرشي المدني ، مولى أبي بكر بن عبد الرحمن ( عن أبي صالح ) ذكوان السمان ( عن أبي هريرة ) رضي الله عنه ( قال : قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( الشهداء : الغرق ) بفتح الغين وكسر الراء ، بمعنى الغريق ( والمبطون ) صاحب الإسهال ( والمطعون والهدم ) بكسر الدال الذي يموت تحت الهدم ، وتسكن أي ذو الهدم الذي يموت بفعل الهادم ، ونسب إلى الفعل مجازًا . 721 - وَقَالَ : « وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاَسْتَبَقُوا ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ لاَسْتَهَمُوا » . ( وقال ) عليه الصلاة والسلام : ( ولو ) بالواو ، وللهروى والأصيلي : لو ( يعلمون ما في التهجير ) التبكير ( لاستبقوا ) زاد الهروي : إليه ( ولو يعلمون ما في ) صلاة ( العتمة و ) صلاة ( الصبح ) من الثواب ( لأتوهما ولو ) إتيانًا ( حبوًا ) زحفًا على الاست ( ولو يعلمون ما في الصف المقدم ) الأول من الفضل ، وللأصيلي وابن عساكر : الأول ( لاستهموا ) لاقترعوا عليه لما فيه من الفضيلة ، كالسبق لدخول المسجد ، والقرب من الإمام ، واستماع قراءته ، والتعلم منه ، والفتح عليه ، والتبليغ عنه ، والصف المقدم يتناول الصف الثاني بالنسبة للثالث فإنه مقدم عليه ، وكذا الثالث بالنسبة للرابع ، وهلم جرَّا . فرواية الصف الأول رافعة لذلك ، معينة للمراد . ورواة هذا الحديث مدنيون إلا شيخ المؤلّف فبصري ، وفيه التحديث والعنعنة ، وأخرجه المؤلّف في فضل التهجير ، وتقدمت مباحثه في باب الاستهام في الأذان . 74 - باب إِقَامَةِ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلاَةِ هذا ( باب ) بالتنوين ( إقامة الصف من ) حسن